علي الهجويري
236
كشف المحجوب
بها عبده . ولن تكون لأعمال الإنسان قيمة إلا إذا أعده اللّه تعالى لها . ولعمري إنك لا تحصل بنفسك على قلبك حتى لو قمت بتزيينه كثيرا بنفسك ولم تر فضله . فمجاهدة الذين يحبهم اللّه عمل اللّه فيهم بدون اختيار من أنفسهم ، وذلك يغمرهم ؛ ويغنيهم عن وجودهم ؛ ولكن مجاهدة الجهلاء هي عمل أنفسهم من أنفسهم باختيارهم ، وذلك يزعجهم ويحزنهم ، والحزن من الشيطان . لذلك يلزمك ألا تتكلم عن أعمالك ما دمت لا يمكنك تجنبها ، ولا تتبع في أي حال من الأحوال نفسك الأمارة بالسوء ، لأنها هي التي تحجبك عن اللّه تعالى ، لأنك إذا حجبت بعمل واحد من أعمالك لزم أن تحجب بعمل آخر ، وحيث أن وجودك كله حجاب فأنت لا تستحق البقاء تفنى فناء كاملا ، « لأن النفس كلب باغ وجلد الكلب لا يطهر إلا بالدباغ » . يروى عن مصدر ثقة : أن الحسين بن منصور الحلاج أتى إلى الكوفة ، ونزل ببيت محمد بن حسين العلوي ، فصادف أن وصل إبراهيم الخواص إلى الكوفة أيضا ، فلما سمع بالحلاج ذهب ليراه ، فقال له الحلاج : « يا إبراهيم ، ما ذا أفدت من الصوفية خلال هذه السنين الأربعين ، التي اتصلت فيها بهم ؟ ؛ فأجابه إبراهيم قائلا ؛ لقد جعلت مبدأ التوكل على اللّه مبدئى ، فقال الحلاج : ضيعت عمرك في عمران باطنك فأين الفناء في التوحيد » أعنى أن التوكل عبارة تدل على حسن سلوكك في اللّه ، وكمالك الروحاني في أن تعتمد عليه ، فإذا أمضى الإنسان حياته في مداراة حاله الروحانية ، احتاج إلى عمر آخر ليداوى طبيعته الإنسانية ، وقضى عمره دون أن يجد طريقا يوصله إلى اللّه . حكى عن الشيخ أبى على سياه المروزي « 1 » أنه قال : « رأيت نفسي الأمارة بالسوء على صورة تشابهنى فأمسكها أحدهم من شعرها وقدمها لي ، فربطتها في شجرة ، بعد أن عزمت على هلاكها ، فقالت لي : يا أبا على ، لا تتعب نفسك فإني من جيوش اللّه ولا يمكنك أن تفنينى » . يروى عن محمد بن عليان النسوي وكان من كمل أصحاب الجنيد أنه قال : لما كنت في بدايتى ، وعلمت بخبائث النفس الأمارة بالسوء ومخبائها ، كنت أشعر بشدة كرهى لها من قلبي ،
--> ( 1 ) ويقال أبو علي الأسود سياء المروزي .